ملاحقتها حتى اُغلقت الدائرة

29.07.26

بعد عامين على مجزرة مجدل شمس: من ملعب كان يعجّ بضحكات الأطفال، مرورًا ببقايا الصاروخ الإيراني الذي اُطلق من لبنان، وصولًا إلى تصفية المسؤولين في بيروت*

 

قبل عامين، وفي عصر يومٍ صيفي، كان ملعب كرة القدم في مجدل شمس يمتلئ بأصوات الأطفال وضحكاتهم. وفي لحظاتٍ معدودة، تحوّل الفرح إلى صرخات، وأصبح المكان الذي خُلق للحياة مسرحًا لمجزرة مروّعة.

 

في السابع والعشرين من تموز 2024، أطلقت منظمة حزب الله الإرهابية صاروخًا باتجاه ملعب كرة القدم في مجدل شمس، بينما كان الأطفال يلعبون فيه. وأسفر الهجوم عن مقتل اثني عشر طفلًا وفتىً وإصابة العشرات بجروح. بالنسبة لعائلاتهم، توقّف الزمن في تلك اللحظة. أمّا بالنسبة لجيش الدفاع الإسرائيلي ودولة إسرائيل، فقد بدأت منذ ذلك اليوم مطاردةٌ حثيثة لكل من يقف خلف هذه الجريمة. 

 

 

إن أسماء أمير، وحازم، وألما، وميلار، وفينيس، وناجي، وجوني، ويزن، وإيزيل، وفجر، وناظم، وجيفارا ليست مجرد قائمة ضحايا. لقد كان كل واحدٍ منهم عالمًا كاملًا؛ طفلًا يحمل حلمًا، وهواية، وعائلة، ومستقبلًا اختُطف منه في لحظة. أحدهم كان يحلم بأن يصبح مهندسًا، وأخرى كانت تعشق الرسم، وآخرون لم يكونوا يريدون أكثر من الاستمتاع بلعبة كرة قدم مع أصدقائهم. 

 

عقب المجزرة مباشرة، بدأت أعمال التحقيق العملياتي والاستخباراتي. وبين الأنقاض، جُمعت بقايا الصاروخ، وخضع كل جزء منها لفحصٍ دقيق. وأثبتت نتائج التحقيق بصورة قاطعة أن الصاروخ من طراز "فلق-"، وهو من إنتاج الصناعات العسكرية الإيرانية، ويزن نحو 110 كيلوغرامات، ويحمل رأسًا حربيًا يحتوي على نحو 53 كيلوغرامًا من المواد المتفجرة. وهو صاروخ صُمّم لإحداث دمار واسع وسقوط أكبر عدد ممكن من الضحايا في المناطق المأهولة بالسكان.

 

ولم تكشف التحقيقات نوع الصاروخ فحسب، بل كشفت أيضًا سلسلة المسؤولية. فقد نفّذ حزب الله عملية الإطلاق مستخدمًا سلاحًا إيراني الصنع، في تجسيدٍ واضح للدعم العسكري واللوجستي الذي توفّره إيران للمنظمة الإرهابية منذ سنوات. 

 

بالنسبة لجيش الدفاع الإسرائيلي، لم تكن هذه النتائج غايةً بحد ذاتها، بل نقطة انطلاق للعمل. وبعد ثلاثة أيام فقط من المجزرة، في الثلاثين من يوليو 2024، نفّذ سلاح الجو الإسرائيلي، بتوجيه استخباراتي، عملية دقيقة في بيروت استهدفت فؤاد شكر، المعروف بـ"السيد محسن"، وهو القائد العسكري الأبرز في حزب الله الإرهابي ورئيس المنظومة الاستراتيجية في التنظيم، وأحد المسؤولين الرئيسيين عن مجزرة مجدل شمس، حيث قُضي عليه في تلك العملية.

 

وفي مراحل لاحقة من القتال، قُضي أيضًا على خضر الشهابية، القائد الميداني الذي أصدر الأمر بإطلاق الصواريخ باتجاه مجدل شمس، وبذلك استكمل جيش الدفاع الإسرائيلي إغلاق الدائرة العملياتية بحق القيادات التي خططت ونفذت الهجوم الذي أودى بحياة اثني عشر طفلًا وفتىً.

 

لكن، حتى وإن أُغلقت الدائرة العملياتية، فإن الدائرة الإنسانية لا يمكن أن تُغلق أبدًا. فلا عملية عسكرية، مهما بلغت دقتها، تستطيع أن تعيد طفلًا إلى حضن والديه، أو أن تمحو الألم الذي يسكن قلوب العائلات التي فقدت أبناءها. فهناك جراح لا يداويها الزمن، بل يعلّم أصحابها كيف يعيشون معها.

 

إن جيش الدفاع الإسرائيلي لا ينظر إلى هذه المواجهة باعتبارها مهمةً عسكرية فحسب، بل مسؤوليةً أخلاقية أيضًا. فعندما يختار تنظيم إرهابي تحويل ملعبٍ للأطفال إلى هدف عسكري، ويوجّه صاروخًا نحو أبرياء لا يحملون سوى أحلامهم، فإن من واجب الدولة أن تحمي مواطنيها، وأن تكشف الحقيقة، وأن تلاحق كل من يقف وراء هذه الجريمة.

 

وبعد عامين على ذلك اليوم، لم تعد مجدل شمس مجرد موقعٍ شهد هجومًا إرهابيًا، بل أصبحت شاهدًا على الثمن الباهظ الذي يفرضه الإرهاب، وعلى إصرار دولة إسرائيل على حماية مواطنيها والدفاع عنهم.

 

إن ذكرى الأطفال الاثني عشر لا تختصرها لوحة تذكارية أو مناسبة سنوية، بل تبقى حاضرة في وجدان جنود جيش الدفاع الإسرائيلي وقادته، تذكّرهم بأن وراء كل قرارٍ عملياتي حياةً بشرية، وعائلةً تنتظر، وأطفالًا لم يكونوا يريدون سوى أن يلعبوا كرة القدم.

 

فهناك أحلامٌ قُطعت قبل أوانها…

 

وهناك مسؤوليةٌ لا تنتهي أبدًا.

 

رحمة الله عليكم يا ملائمة